العلامة الأميني
120
النبي الأعظم من كتاب الغدير
ولا يجوز أيضا توكيل الأمر إلى أفراد الأمّة ، أو إلى أهل الحلّ والعقد منهم ؛ لأنّ ممّا أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفا بشرائط بعضها من النفسيّات الخفيّة ، الملكات الّتي لا يعلمها إلّا العالم بالسرائر « 1 » ؛ كالعصمة والقداسة الروحيّة والنزاهة النفسيّة لتبعده عن الأهواء والشهوات ، والعلم الّذي لا يضلّ معه في شيء من الأحكام ، إلى كثير من الأوصاف الّتي تقوم بها النفس ، ولا يظهر في الخارج منها إلّا جزئيّات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كليّاتها : وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ « 2 » . و اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ « 3 » . فالأمّة المنكفئ علمها عن الغيوب لا يمكنها تشخيص من تحلّى بتلك الصفات ؛ فالغالب على خيرتها الخطأ ؛ فإذا كان نبيّ كموسى على نبيّنا وآله وعليه السلام تكون وليدة اختياره من الآلاف المؤلّفة سبعين رجلا ، وإنّهم لمّا بلغوا الميقات قالوا : أرنا اللّه جهرة ، فما ظنّك بأفراد عاديّين واختيارهم ؟ ! وأناس ماديّين وانتخابهم ؟ ! وما عساهم أن ينتخبوا غير أمثالهم ممّن هو وإيّاهم سواسية كأسنان المشط في الحاجة إلى المسدّد ؟ ! وليس من المأمون أن يقع انتخابهم على عائث ، أو يكون التياثهم « 4 » بمشاغب ، أو يكون انثيالهم وراء من يسرّ على الأمّة حسوا في ارتغاء « 5 » ، أو يقع اختيارهم على جاهل يرتبك في الأحكام فيرتكب العظام ، ويأتي بالجرائم ، ويقترف المآثم وهو لا يعلم ، أو يعلم ولا يكترث لأن يقول زورا ، ويحكم غرورا ؛ فيفسدوا من حيث أرادوا أن يصلحوا ، ويقعوا في الهلكة وهم لا يشعرون ؛ كما وقعت أمثال ذلك في البيعة
--> ( 1 ) - وقد أشبعنا القول في البرهنة على لزوم هذه الملكات الفاضلة في الإمامة في غير هذا المورد . ( 2 ) - القصص : 169 . ( 3 ) - الأنعام : 124 . ( 4 ) - [ « الالتيات » : الاختلاط والالتفات ] . ( 5 ) - مثل يضرب لمن يظهر أمرا ويريد غيره ؛ تاج العروس 10 : 153 [ ومجمع الأمثال 3 / 525 ، رقم 4680 ] .